عبد الباقي مفتاح

11

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

مقدّمة الدين إسلام وإيمان وإحسان ، والتصوف الإسلامي الأصيل هو التعبير العملي عن مقام الإحسان . والشيخ الأكبر أبو بكر محمد بن علي محي الدين بن العربي ( 560 ه - 638 ه ) هو الترجمان الأعظم ، كيفا وكما ، لحقائق التصوف الإسلامي . فقد كتب أكثر من أربعمائة تأليف في مختلف جوانب المعارف الصوفية ، أشهرها الموسوعة الكبرى " الفتوحات المكية " وكتاب " فصوص الحكم " الذي لخص فيه بعض أبرز محاور الحقائق الصوفية . وبيّن الشيخ مصدر علومه فقال : ( فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه ، أعطيت مفتاح الفهم فيه والإمداد منه ، وهذا كله حتى لا نخرج عنه ، فإنه أرفع ما يمنح ، ولا يعرف قدره إلا من ذاقه وشهد منزلته حالا من نفسه وكلمه به الحق في سره . فان الحق إذا كان هو المكلم عبده في سره بارتفاع الوسائط فإن الفهم يستصحب كلامه منك ، فيكون عين الكلام منه عين الفهم منك لا يتأخر عنه . فان تأخر عنه فليس هو كلام اللّه . ومن لم يجد هذا فليس عنده علم بكلام اللّه عباده ) . ( ف ااا ب 366 ص 334 - 335 ) . فكل تآليف الشيخ تستمد حقائقها من آيات القرآن وأسماء اللّه الحسنى وتجلياتها في الآفاق والأنفس . والكثير من تآليف الشيخ لا يمكن فهم خفاياها وإشاراتها وإدراك أعماقها وتراكيبها إلا بإرجاعها إلى مصدرها القرآني . وفي بعضها يوضح الشيخ ذلك المصدر ، وفي البعض الآخر لا يصرح به ويترك مفتاح فهمها القرآني مكتوما خفيا حتى لا يكتشفه إلّا من هو أهل له . وفي هذا الإطار القرآني كتب هذا البحث . فليس الغرض من هذا الكتاب شرح الفصوص بعد أن قام به عشرات الرجال - وقد ذكر عثمان يحيى في كتابه حول تآليف الشيخ مائة وعشرين شرحا للفصوص ، ولا شك أن هناك شروحا كثيرة أخرى لم يذكرها - وإنما الغرض من هذا البحث هو كشف مفتاحين أساسيين للفصوص هما ضروريان للفهم العميق للكتاب ، وبدونهما تبقى البنية الكلية للفصوص مجهولة ، وتبقى كثير من الإشارات والتلميحات المبثوثة في الفص خفية . وفي حدود علمي ، لم يبين أحد من جميع الشرّاح هذين المفتاحين اللذين هما : أولا : سر ترتيب أبواب الفصوص .